علي بن أحمد المهائمي
293
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
مشهود في خلق متوهّم ، فالخلق معقول والحقّ محسوس مشهود عند المؤمنين وأهل الكشف والوجود ، وما عدا هذين الصّنفين فالحقّ عندهم معقول والخلق مشهود ، فهم بمنزلة الماء الملح الأجاج ، والطّائفة الأولى بمنزلة الماء العذب الفرات السّائغ لشاربه . فالنّاس على قسمين : من النّاس من يمشي على طريق يعرفها ويعرف غايتها فهي في حقّه صراط مستقيم ، ومن النّاس من يمشي على طريق يجهلها ولا يعرف غايتها وهي عين الطّريق الّتي عرفها الصّنف الآخر ، فالعارف يدعو إلى اللّه على بصيرة ، وغير العارف يدعو إلى اللّه على التّقليد والجهالة ، فهذا علم خاص يأتي من أسفل سافلين ، لأنّ الرّجل هي السّفل من الشّخص ، وأسفل منها ما تحتها وليس إلّا الطّريق . فمن عرف أنّ الحقّ عين الطّريق عرف الأمر على ما هو عليه ، فإنّ فيه جلّ وعلا يسلك ويسافر إذ لا معلوم إلّا هو ، وهو عين السّالك والمسافر ، فلا عالم إلّا هو ، فمن أنت ؟ فاعرف حقيقتك وطريقتك فقد بان لك الأمر على لسان التّرجمان إن فهمت ، فهو لسان حقّ فلا يفهمه إلّا من فهّمه حقّ ، فإنّ للحقّ نسبا كثيرة ووجوها مختلفة ] . ثم أشار إلى حصول القرب لكل ميت قبل الوصول إلى جنة أو نار بقوله تعالى : ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ) [ الواقعة : 85 ] لاحتجابكم بأجسامكم وقواها ، ( وإنّما هو يبصر ؛ فإنه مكشوف الغطاء ) أي : الحجاب المذكور ، وإن كان قد يبقى على البعض حجب الغينات الظلمانية من الاعتقادات الفاسدة ، والأخلاق الردية ، والهيئات المظلمة من المعاصي الظاهرة ، لكنه لا يمنعه عن روية الحق ، ( فبصره حديد ) ، كما قال تعالى : لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ ق : 22 ] لكنه إن كان في ظلمات الاعتقادات أو الأعمال الصالحة رجع أعمى كمن حبس في ظلمة مدة مديدة ، وفتح له عنها فجأة عمى بصره . فلذلك قال تعالى : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا [ الإسراء : 72 ] ، وقال : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً [ طه : 124 ، 125 ] أي : عند كشف الغطاء بالموت الطبيعي بصيرا ، قال : قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ [ طه : 126 ] وهي الأنوار المنيرة سلوك طريقنا فنسيتها أي : أوقعتها في ظلمة النسيان أو ظلمة الأهواء المنسية لها ، فكذلك اليوم تنسى . ( وما خصّ ) في العرف وكشف الغطاء ( ميتا عن ميت ) في اللفظ ، ولم يدل عليه أيضا العقل إذ السعادة العرفية لا توجب التمييز المذكور ، وإليه الإشارة بقوله : ( أي : ما خصّ سعيدا في القرب من شقي ) ، إذ رجوع الشقي إلى العمى بعد كشف الغطاء ، وكون قربه